عبد القاهر بن طاهر البغدادي
89
الملل والنحل
على ذلك في سكون دائم ابدا . - وفي هذا الاعتذار إحالة « 1 » من وجوه : أحدها جواز اجتماع لذات متضادة في محل واحد ، ولو جاز ذلك كان اجتماع لذات متضادة في محل واحد . والوجه الثاني ان هذا الاعتبار « 2 » ، لو صح ، لوجب ان يكون حال أهل الجنة ، عند فناء مقدورات اللّه تعالى ، أحسن من حالهم عند كون الاله قادرا . ومن العجب ان المعتزلة عابت جهما « 3 » / في قوله : تفنى الجنة والنار بعد فنائهما « 4 » . وكيف لم يعب شيخها أبو الهذيل في دعواه فناء مقدورات اللّه تعالى جملة ؟ . ومن فضائح أبي الهذيل « 5 » أيضا قوله بان أهل الجنة مضطرون إلى أقوالهم وحركاتهم وكل ما يكون منهم من اكل وشرب وجماع وغير ذلك . وكانت المعتزلة تكفر جهما في قوله ان العباد في الدنيا مضطرون إلى ما يكون منهم « 6 » ويكفرون أصحابنا في قولهم بان اللّه عز وجل خالق اكساب العباد . ويقولون لجهم : إذا خلق اللّه الظلم والكذب ، وجب ان يكون ظالما كاذبا . - فهلا قالوا لأبي الهذيل : إذا خلق اللّه عز وجل اكل أهل الجنة وشربهم ، وجب ان يكون بها « 7 » اكل وشرب ؟ وقد الزمه المردار ذلك ، وقال إن أبا الهذيل جهمي الآخرة . وقال له : إذا قلت إن اللّه / خالق أقوال أهل الآخرة لزمك ان يكون هو الخالق لقول أهل النار ، « وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ » « 8 » وهذا كذب منهم ، وفاعل الكذب كاذب . وهذا
--> ( 1 ) جاء في المخطوط : حاله ؛ ولكن باقي الكلام يدل على أنها « إحالة » بمعنى استحالة قبول هذا الاعتذار . ( 2 ) جاء في « الفرق » « الاعتذار » ذات المراجع المذكورة في الصفحة السابقة ، هامش رقم 2 ؛ ولكن لفظ « الاعتبار » هنا صح أيضا . ( 3 ) الجهم بن صفوان . ( 4 ) لا شك في أن الكلام ناقص هنا ، تكملته تكون : بعد قولهم بفنائهما - ( اعني كيف تعير المعتزلة على جهم قوله بفناء الجنة والنار وهو يقول بفنائهما ؟ ) . ( 5 ) جاء في المخطوط : أبا الهذيل ، والأصح : أبي الهذيل . ( 6 ) كان الجهم بن صفوان جبريا ، لا يقول بحرية الاختيار عند الانسان ، بينما المعتزلة كانوا قدرية ، بمعنى انهم يقولون بان الانسان قادر على افعاله . ( 7 ) جاء في المخطوط : بهما اكلا وشربا . ( 8 ) سورة الأنعام : مكية 23 .